مجد الدين ابن الأثير

7

النهاية في غريب الحديث والأثر

ثم صنف الناس غير من ذكرنا في هذا الفن تصانيف كثيرة ، منهم شمر بن حمدويه ، وأبو العباس أحمد بن يحي اللغوي المعروف بثعلب . وأبو العباس محمد بن يزيد الثمالي المعروف بالمبرد . وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري ، وأحمد بن الحسن الكندي . وأبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد صاحب ثعلب . وغير هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث . ولم يخل زمان وعصر ممن جمع في هذا الفن شيئا وانفرد فيه بتأليف ، واستبد فيه بتصنيف . واستمرت الحال إلى عهد الإمام أبي سليمان أحمد بن محمد بن أحمد الخطابي البستي رحمه الله ، وكان بعد الثلثمائة والستين وقبلها ، فألف كتابه المشهور في غريب الحديث ، سلك فيه نهج أبي عبيد وابن قتيبة ، واقتفى هديهما ، وقال في مقدمة كتابه - بعد أن ذكر كتابيهما وأثنى عليهما - : ( وبقيت بعدهما صبابة للقول فيها متبرض توليت جمعها وتفسيرها ، مسترسلا بحسن هدايتهما وفضل إرشادهما ، بعد أن مضى علي زمان وأنا أحسب أنه لم يبق في هذا الباب لأحد متكلم ، وأن الأول لم يترك للآخر شيئا وأتكل على قول ابن قتيبة في خطبة كتابه : إنه لم يبق لأحد في غريب الحديث مقال ) . وقال الخطابي أيضا بعد أن ذكر جماعة من مصنفي الغريب وأثنى عليهم : ( إلا أن هذه الكتب على كثرة عددها إذا حصلت كان مآلها كالكتاب الواحد . إذ كان مصنفوها إنما سبيلهم فيها أن يتوالوا على الحديث الواحد فيعتوروه فيما بينهم ، ثم يتباروا في تفسيره ويدخل بعضهم على بعض ، ولم يكن من شرط المسبوق أن يفرج للسابق عما أحرزه ، وأن يقتضب الكلام في شئ لم يفسر قبله على شاكلة ابن قتيبة وصنيعه في كتابه الذي عقبه به كتاب أبي عبيد ، ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب التي ذكرناها أن يكون شيئا منها على منهاج كتاب أبي عبيد في بيان اللفظ وصحة المعنى وجودة الاستنباط وكثرة الفقه ، ولا أن يكون من جنس كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير وإيراد الحجة وذكر النظائر وتخليص المعاني ، وإنما هي أو عامتها إذا تقسمت وقعت بين مقصر لا يورد في كتابه إلا أطرافا وسواقط من الحديث ، ثم لا يوفيها حقها من إشباع التفسير وإيضاح المعنى ، وبين مطيل يسرد الأحاديث المشهورة التي لا يكاد يشكل منها شئ ، ثم يتكلف تفسيرها ويطنب فيها . وفي الكتابين غنى ومندوحة عن كل كتاب ذكرناه قبل ، إذ كانا قد أتيا على جماع